السيد محمد الحسيني الشيرازي
190
الفقه ، السلم والسلام
هذه الآية : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ فقيل له : هذه الآية ليست في المسلمين وإنما في الأحبار واليهود وهي صفة لهم وقرأت له بحذف الواو الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي يكون محل إعرابها صفة للأحبار والرهبان بينما حقيقة المراد في الآية عام فتشمل الأحبار واليهود والمسلمين وغيرهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ « 1 » . ولكن محاولة معاوية في هذا التحريف لم تنجح وبائت بالفشل وبقي أبو ذر يرددها دائماً ، ولما بنى معاوية الخضراء بدمشق ، قال له أبو ذر : يا معاوية إن كانت هذه من مال الله فهي الخيانة ، وإن كانت من مالك فهو الإسراف ، وكان أبو ذر ( رحمه الله تعالى ) يقول : ( والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها ، والله ما هي في كتاب الله ولا في سنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، والله إني لأرى حقاً يطفأ ، وباطلًا يحيا ، وصادقاً مكذباً ، وأثرة بغير تقى ، وصالحاً مستأثراً عليه ) « 2 » . وقد كان لهذه الدعوة الصادقة التي واصل العمل فيها أبو ذر ( قدس سره ) الأثر الكبير على الناس في الشام حتى وصل الأمر إلى أن حبيب بن مسلمة الفهري قال لمعاوية : إن أبا ذر لمفسد عليكم الشام فتدارك أهله إن كانت لكم فيه حاجة ، فكتب معاوية إلى عثمان فيه ، فكتب عثمان إلى معاوية : ( أما بعد ، فاحمل جنيدباً إليّ على أغلظ مركب وأوعره ) . فوجه به مع من سار به الليل والنهار ، وحمله على شارف ليس عليها إلا قتب ، حتى قدم به المدينة ، وقد سقط لحم فخذيه من الجهد ، فلما قدم أبو ذر ( قدس سره ) المدينة ، بعث إليه عثمان : أن الحق بأي أرض شئت ، فقال : بمكة . قال لا ، قال : فبيت المقدس ، قال : لا ، قال : فبأحد المصرين ، قال : لا ، ولكني مسيرك إلى الربذة ، فسيره إليها ، فلم يزل بها حتى مات « 3 » .
--> ( 1 ) سورة التوبة : 34 . ( 2 ) راجع بحار الأنوار : ج 31 ص 174 . ( 3 ) راجع بحار الأنوار : ج 31 ص 174 .